القاضي النعمان المغربي

69

تأويل الدعائم

ما يجب من ذلك له ، ولا يكتمه ذلك فيهلك جهلا وقد جعل اللّه خلاصه إلى من أقيم لذلك منه فإذا لم يفعل ذلك فقد خالف أمر من أقامه من أولياء اللّه وعصاهم ، ومن عصا أولياء اللّه وخالف أمرهم استحق عذاب اللّه ، وقد قال اللّه جل ذكره لمحمد نبيه صلى اللّه عليه وآله : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » . وقال : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » ، فهذه سنة اللّه وأمره لأنبيائه وأئمة دينه ولمن أقاموه لما أقامهم اللّه عز وجل له واستخدموه فيما استخدمهم فيه ، فمن خالف أمرهم أو قصر فيه استحق مقت اللّه وعذابه ، وقوله ومقتر فاجر ؛ تأويله أن المقتر في الظاهر الّذي لا مال له وهو في الباطن الّذي لا علم له ، والّذي لا علم له جاهل ، والجاهل الفاجر في النار . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أنه قال : إن للّه عز وجل بقاعا يدعين المنتقمات يصب عليهن من منع ماله من حقه ؛ فينفقه فيهن ، فهذا في الظاهر مما يعاقب به من منع الزكاة وغيرها من حق اللّه عز وجل في ماله أن يمحق في مواطن ، ومن ذلك قول رسول اللّه عليه وآله أنه قال : « ينادى مناد كل ليلة اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا » . وهذا من نحو ما تقدم القول به أنه لم يهلك مال في بر ولا بحر إلا بمنع الزكاة منه . وتأويل ذلك في الباطن أن من منع من العلم ما أمر بإذاعته إلى من استرعاه سلط عليه من حجج أولياء اللّه الذين أمثالهم أمثال بقاع الأرض ، أي جعل له عليه سلطان أن ينتزع من يديه ما جعل له من دعوة الحق إذا هو لم يقم فيها بما أمر به ؛ ومن ذلك قول اللّه جل ذكره : « وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً » وقوله : « وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ » . فقتل الأولاد في الباطن خشية الإملاق ، والإملاق الفقر ترك الداعي أهل دعوته وهم في الباطن أولاده لا يفيدهم يخشى أن يصير لهم من العلم ما يترأسوا به عليه فيحلوا محله ويريد أن يكونوا أبدا جهالا وهو عالم وحده بينهم فلولى الزمان ولمن أقامه لمثل ذلك سلطان على من فعل ذلك أن يفيد منه ، والقتل في التأويل ترك المفيد بلا فائدة فيفعل من له السلطان بمن فعل ذلك مثل فعله وذلك أن يقبض يده عن الدعوة ويقطع عنه مادة العلم ، فهذا هو تأويل القتل بالحق ومثل القصاص من القاتل